الشيخ محمد النهاوندي
47
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
على وجوده ، كذا قيل « 1 » . ثمّ أعلم أنّ بالتفسير الذي ذكرنا للمظلوم ، يندفع الاعتراض على الآية بأنّها تدل على أن موجب جواز القتل منحصر في كون المقتول مظلوما ، مع أنّ سببه غير منحصر فيه ، بل له أسباب كثيرة كالكفر بعد الايمان وكثير من المعاصي التي حدّها « 2 » القتل . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 34 ] وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً ( 34 ) ثمّ أنّه تعالى بعد النهي عن إتلاف النفوس نهى عن إتلاف مال اليتامى الذين هم أضعف الضعفاء بقوله : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ولا تتصرّفوا فيه بطريقة من الطرق وخصلة من الخصال إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الطّرق والخصال ، وهو التصرّف الذي لا يكون فيه إفساد والذي تكون فيه الغبطة ، وكونوا مستمرّين على ذلك حَتَّى يَبْلُغَ اليتيم أَشُدَّهُ وكمال قواه وعقله ورشده . ثمّ أكّد العمل بالأحكام المذكورة التي هي عهود اللّه بقوله : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ الذي بينكم وبين ربّكم من العمل بأحكامه والنّذر واليمين ، أو بينكم وبين الناس كالبيوع وغيرها من المعاملات . ثمّ هدّد سبحانه على مخالفته بقوله : إِنَّ الْعَهْدَ كانَ يوم القيامة عنه مَسْؤُلًا حين المحاسبة قيل : إنّه بتقدير المضاف ، والمعنى أنّ صاحب العهد « 3 » . وقيل : المسؤول بمعنى المطلوب ، والمراد أنّه يطلب من المعاهد أن يفي به « 4 » . وقيل : إنّه فرض العهد شخصا عاقلا يسأل عنه ، ويقال له : لم يوف بك ، تبكيتا للناكث « 5 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 35 إلى 36 ] وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 35 ) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ( 36 ) ثمّ بعد إيجاب الوفاء بالعهد ، أوجب سبحانه إيفاء الحقوق بقوله : وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وأتمّوه إِذا كِلْتُمْ لمستحقّه ولا تخسروه حين عاملتم بالكيل وَزِنُوا ما عاملتموه بالوزن بِالْقِسْطاسِ والميزان الْمُسْتَقِيمِ والعدل السويّ .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 199 . ( 2 ) . في النسخة : حدّه . ( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 20 : 206 . ( 5 ) . تفسير الرازي 20 : 206 .